عوامل تغير الساكنة : الانحراف الجيني - فضاء علوم الحياة و الأرض

عوامل تغير الساكنة : الانحراف الجيني

يعتبر الانحراف الجيني مظهرا آخر من مظاهر تغير الساكنة، حيث أن عدد أفراد الساكنات الحقيقية ليس دائما لامتناهي، مما يجعل تردد الحليلات يتقلب بشكل عشوائي، خاصة في الساكنات قليلة الأفراد. ينجم عن هذا التقلب العشوائي، تثبيت حليلات، و حذف حليلات أخرى.

لفهم كيفية تأثير ظاهرة الانحراف الجيني على الساكنات، نقترح دراسة المعطيات التالية.

  • مثال لانحراف جيني ذو المفعول المؤسس

تتميز ساكنة منطقة Saguenay-Lac-Saint-Jean بالكيبيك (كندا)، بتوفرها على عدد كبير من الأمراض الوراثية، من بينها الهزال العضلي لـ Steinert. الذي يبلغ تردد الأفراد المصابين به في هذه المنطقة 189 من أصل 100000 شخص، مقابل شخص 1 من أصل 100000 في ساكنة أوروبا.

تجدر الإشارة إلى أن أصل ساكنة منطقة Saguenay-Lac-Saint-Jean، هو مجموعة من المهاجرين الأوروبيين الذين استوطنوا هذه المنطقة، مما جعل الباحثين يفسرون تغير البنية الوراثية لهذه الساكنة، بتعرضها لظاهرة تسمى الانحراف الجيني. لفهم كيفية تأثير هذه الظاهرة، نقترح الوثيقة أسفله.

نموذج تفسيري لظاهرة الانحراف الجيني

تعرضت الساكنة الأصلية إلى تِعيان عرضي (بالصدفة)، حيث تضمنت العينة المعزولة فردا واحدا فقط يحمل المظهر النادر، مما ساهم في تغير البنية الوراثية للساكنة الناتجة عن تزاوج أفراد هذه العينة. أدي تعيان عرضي ثان إلى إقصاء المظهر النادر و الاحتفاظ فقط بالمظهر المتوحش. يعتبر هذا التعيان العرضي أساس ظاهرة الانحراف الجيني.
نتجت ساكنة منطقة Saguenay-Lac-Saint-Jean عن توالد عينة صغيرة من المهاجرين الأوروبيين الذين استوطنوا هذه المنطقة. هذه العينة من المهاجرين الأصليين، نتجت عن تعيان عرضي للساكنة الأوروبية، حيث كان بعض أفرادها يحملون حليلات مسؤولة عن أمراض وراثية مثل الهزال العضلي لـ Steinert، مما جعل ترددها يصبح مرتفعا خلال الأجيال الموالية، و بالتالي، ارتفعت نسبة الأفراد المصابين داخل الساكنة الحالية لهذه المنطقة.

يسمى هذا النوع من الانحراف الجيني، بالانحراف الجيني ذو المفعول المؤسس، حيث أن عينة صغيرة من الأفراد تتعرض لتعيان عرضي (عن طريق هجرة هؤلاء الأفراد مثلا)، ثم تقوم بتأسيس ساكنة جديدة تنبثق من هذه العينة فقط.

بينت الدراسات أن الانحراف الجيني يساهم في تغير البنية الوراثية للساكنة بشكل كبير، خاصة عندما يكون عدد أفراد العينة الأصلية لهذه الساكنة صغيرا. تمثل الوثيقة أسفله تغير تردد حليل معين (G)، عند 3 ساكنات، تختلف حسب عدد الأفراد الاصليين المشكلين لها.

تأثير ظاهرة الانحراف الجيني على المحتوى الجيني للساكنة

يتقلب تردد الحليل G بشكل عشوائي في الساكنات الثلاث بين 0 و 1، اللتان تمثلان القيمتين الحدين لتردد هذا الحليل في كل جيل. نميز ثلاث حالات يمكن أن تتحقق هنا :

  • تثبيت الحليل G : حيث يصبح تردده 1 بعد حوالي 50 جيلا (الساكنة 1)، علما أن العينة الأصلية كانت تتشكل من 10 أفراد فقط.
  • إقصاء الحليل G : حيث يصبح تردده 0 بعد أقل من 30 جيلا (الساكنة 3)، حيث أن العينة الأصلية كانت تتشكل كذلك من 10 أفراد.
  • استقرار تردد الحليل G في قيمة تقارب 0,5، و هذا راجع إلى أن العينة الأصلية كانت تتشكل كذلك من 1000 فرد (الساكنة 2)، مما يجعل تثبيت أو إقصاء هذا الحليل قد يتطلب مدة زمنية أطول بكثير.
    • يؤثر الانحراف الجيني على تردد الحليلات، حيث يؤدي إلى ضياع حتمي للتغير الوراثي داخل الساكنة، و ذلك بحذف بعض الحليلات و تثبيت حليلات أخرى، و يتم هذا الأمر بشكل عشوائي.
تُفسّر التقلبات العشوائية في ترددات الحليلات، إلى حدوث تعيان عرضي للأفراد، حيث تضم العينة المعزولة غالبا، عددا صغيرا من الأفراد، الأمر الذي يجعل الحليلات المحتفظ بها تتعلق فقط بتزاوج الأفراد الحاملين لها و خصوبتهم (إنجاب خلف)، بينما الحليلات المحذوفة، غالبا ما تكون نتيجة عدم تزاوج الأفراد الحاملين لها أو خصوبتهم المحدودة أو حتى وفاتهم قبل التزاوج.
  • الانحراف الجيني ذو مفعول التضيق (عنق الزجاجة)

ليس كل انحراف جيني يُعتبر ذو مفعول مؤسس، حيث نجد في بعض الأحيان ساكنات بعدد كبير تعيش في وسط معين، لكن محتواها الجيني قد يتعرض للتغيير بفعل انخفاض كبير و مفاجىء في عدد أفرادها (بفعل كارثة طبيعية مثلا)، الشيء الذي يؤدي إلى فقدان عدد كبير من الحليلات المختلفة لنفس المورثة، نتحدث هنا عن مفعول التضيق أو مفعول عنق الزجاجة. بعد التزاوج، يحتفظ الخلف بنفس حليلات السلف، الشيء الذي يجعل المحتوى الجيني للساكنة ضعيفا، مع تغير البنية الوراثية مقارنة مع تلك للساكنة الأصلية. من أبرز الأمثلة في هذا الإطار، هناك حالة الفهد الصياد الذي يعتبر كل أفراده متشابهي الاقتران بالنسبة لجل المورثات، حيث أن الساكنة الأصلية ناتجة عن نجاة عينة صغيرة (لا تتجاوز 20 فهدا) بعد كارثة طبيعية، أدت إلى هلاك أغلب أفراد الساكنة. تمثل الوثيقة أسفله رسما تفسيريا للانحراف الجيني ذو مفعول التضيق.

رسم تفسيري للانحراف الجيني حسب مفعول التضيق


شارك الموضوع

نبذة عن الكاتب

أستاذ الثانوي التأهيلي في مادة علوم الحياة والأرض، يزاول التدريس حاليا بالثانوية التأهيلية إبن خلدون بتيط مليل (نيابة مديونة). حاصل على الإجازة في العلوم النباتية بكلية العلوم ابن امسيك، وحاصل كذلك على الماستر المتخصص في البيوتكنولوجيا ومقاربة الجودة بذات الكلية.

باقي فقرات الفصل :

مناقشة الموضوع

8 تعليقات في ”عوامل تغير الساكنة : الانحراف الجيني“

  1. شكر أستاد على المجهود الجبار و المعلومات الفيمة والمفيدة التي تمنحنا إياها دائما. جزاك الله عليها
    إدا سمحت ياأستاد أريد تعريفا جيدا و مختصرا عن الانحراف الجيني

أترك ردا